الحارث المحاسبي
8
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )
الفصام في عصر المحاسبي : وكان الصراع على الحكم ، وشيوع الأهواء ، والتلويح بالذهب ، والشهوات الأخرى في عصر بني العباس سببا رئيسيا في جذب الكثير من العلماء نحو الأضواء ، وفي ظهور الطامعين في حكم دولة الإسلام من الحاقدين وتحكم هؤلاء الطامعون في الخليفة ، وأجبروه على إذكاء نيران فتنة القول بخلق القرآن ، وامتحان العلماء فيها ، وجلد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ، وأعلنت المحرمات ، وعطلت الحدود إلا في الحالات التي تخدم السلطة الحاكمة وأصبحت أعمال الآخرة تقصد للدنيا ، حتى لقد وضع بعض العلماء أحاديث مكذوبة على الرسول صلّى اللّه عليه وسلم خدمة لهوى السلطان . وكان العصر عصر استكشاف لأبعاد الشريعة وأعماقها في صورة اجتهاد من أهل الاجتهاد لتقنين الشريعة حسب تطور الحياة ، ولوضع الأصول الفقهية التي تصبح أساسا للأحكام المستقبلية التي تواجه الحياة في مراحل تطورها ، واجتذاب هذا العمل الضخم طائفة من كبار العلماء العاملين ، السائرين على محجة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ؛ والجامعين لصحة العمل في القلب والجوارح على السواء ، وأخصهم أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وتلاميذهم وسفيان الثوري وعبد اللّه بن المبارك وأمثالهما . . ولهذا لم يكن هناك متسع أمام هؤلاء العلماء ليدونوا فقه أعمال القلوب إلى جانب فقه أعمال الجوارح . وكان هذا الفراغ في الدراسة ، والذي لم يدوّن من علمه إلا شذرات من الحكم الجامعة نطق بها الزهاد الأوائل مثل داود الطائي ، والفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح ، وأبي إسحاق الفزاري ، وأمثالهم من أهل التقى والورع ، كان هذا الفراغ إلى جانب الشهوات المبذولة سببا في تدهور وعي القلوب ، حتى شاع الجهل بأعمال القلوب ، لولا ظهور طوائف من الزهاد اتخذوا لأنفسهم مدارس لنشر وعي القلوب ، ولكنهم تكلموا في المقامات ، وتشددوا في الزهد في مواجهة الترف ، حتى خلف من بعدهم خلف بذلوا جهدهم في أعمال القلوب ، وأهملوا أعمال الجوارح ، وعالج الخلف هذا الإهمال بمخالفات صريحة للإسلام تركزت حول أداء هؤلاء الفرائض في الكعبة وهم يقيمون في بغداد ، أو أن مخاطبة الملائكة والمكاشفات السرية بين العلماء وبين اللّه تشغلهم عما تعارف عليه العامة من عمل الجوارح ، أو من التدقيق في استيفائها من الناحية الشكلية . وباختصار : غلب على الناس الكذب في العمل والقول الأمر الذي دفع المحاسبي إلى وضع الحق في نصابه في أعمال القلوب وأعمال الجوارح على السواء لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي الفسيح . فكان مدرسة متميزة تعني باستكشاف النفس الإنسانية ودراسة حركاتها ، ووصف أمراضها وتحديد عناصر علاجها إلى جانب نشاطه في الفقه